زكي مبارك

120

عبقرية الشريف الرضي

الرجل بقوتين : قوة العاذر من الشوق السفيه ، وقوة العاذل من القلب العفيف لقد سمعتم بما سماه القدماء خيال البحتري ، ولعلكم قرأتم تفصيل ذلك في كتاب ( مدامع العشاق ) ولكن ألا ترون أن الشريف بلغ الغاية في وصف تفاهة الفرح بالطيف حين قال : ومن لم ينل أطماعه من حبيبه * رضى غير راض بالخيال المزاور تأملوا عبارة ( رضى غير راض ) وبعد هذه القطعة أبيات أرى إمتاع أسماعكم بها ، فهي عندي من وثبات الخيال . كليني إلى ليل كأن نجومه * تغازل طرفي عن عيون الجآذر أمرّ بدار منك مشجوجة الثرى * بمجرى نسيم الآنسات الغرائر ( 1 ) تمر عليها الريح وهي كأنها * تلفت في أعطاف تلك المقاصر ألا ترون يا أدباء بغداد كيف يزعم شاعركم أن للطبيعة أحاسيس ألا ترون كيف يدعي أن الرياح تمر بتلك الدار فتتلفت إلى ما فيها من مقاصير ليت الوقت يسمح بأسماعكم فقرات من كتاب ( التصوف الاسلامي ) لتروا بقوة المنطق ان الشريف لم يكن عابثا ، وإنما كان يحس ما سيقوله أنصار القول بوحدة الوجود بعد مئات السنين . وهل يعقل أن تمر الريح بالوادي الجديب ، كما تمر بالوادي الخصيب هل يعقل أن تمر النسمات

--> ( 1 ) مشجوجة : مجروحة .